ابن عبد البر

58

الدرر في اختصار المغازي والسير

الأرضة ، فلحست كل ما كان فيها من عهد لهم وميثاق ، ولم تترك فيها اسما للّه عز وجل إلا لحسته ، وبقي ما كان فيها من شرك أو ظلم أو قطيعة رحم . فأطلع اللّه عزّ وجلّ رسوله على ذلك . فذكر ذلك رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم لأبى طالب ، فقال أبو طالب : لا والثواقب « 1 » ما كذبتني ؛ فانطلق في عصابة من بنى عبد المطلب حتى أتوا المسجد ، وهم خائفون ، لقريش . فلما رأتهم قريش في جماعة أنكروا ذلك ، وظنوا أنهم خرجوا من شدة البلاء ليسلموا رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم برمّته « 2 » إلى قريش . فتكلم أبو طالب ، فقال : قد جرت أمور بيننا وبينكم لم « 3 » نذكرها لكم ، فائتوا بصحيفتكم التي فيها مواثيقكم ، فلعله أن يكون بيننا وبينكم صلح . وإنما قال ذلك أبو طالب خشية أن ينظروا في الصحيفة قبل أن يأتوا بها . فأتوا بصحيفتهم متعجبين لا يشكّون أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يدفع إليهم . فوضعوها « 4 » بينهم ، وقالوا لأبى طالب : قد آن لكم أن ترجعوا عما أخذتم « 5 » علينا وعلى أنفسكم / . فقال أبو طالب : إنما أتيتكم في أمر هو نصف بيننا وبينكم ، إن ابن أخي أخبرني ، ولم يكذبني ، أن هذه الصحيفة التي بين « 6 » أيديكم قد بعث اللّه عليها دابة ، فلم تترك فيها اسما له إلا لحسته ، وتركت فيها غدركم وتظاهركم علينا بالظلم ، فإن كان الحديث كما يقول فأفيقوا ، فلا واللّه لا نسلمه حتى نموت من عند آخرنا ، وإن كان الذي يقول باطلا دفعنا إليكم صاحبنا فقتلتم أو استحييتم . فقالوا قد رضينا بالذي تقول . ففتحوا الصحيفة ، فوجدوا الصادق المصدوق صلى اللّه عليه وسلم قد أخبر بخبرها قبل أن تفتح . فلما رأت قريش صدق ما جاء به أبو طالب عن النبيّ صلى اللّه عليه وسلم قالوا : هذا سحر ابن أخيك . وزادهم ذلك بغيا وعدوانا .

--> ( 1 ) الثواقب : النجوم . وفي القرآن الكريم ( والنجم الثاقب ) ( 2 ) هكذا في الأصل وابن سيد الناس ، والرمة : قطعة الحبل ويراد بها هنا العهد . وربما كانت محرفة عن : ذمته أي عهده ( 3 ) لم تأت « لم » عند ابن سيد الناس ( 4 ) هكذا في ابن سيد الناس . وفي الأصل : فوضعوها إليهم بينهم . ( 5 ) هكذا في هامش الأصل : أخذتم تصحيحا لكلمة : أحدثتم التي جاءت في الأصل . وفي ابن سيد الناس أيضا : أحدثتم ( 6 ) في ابن سيد الناس : في أيديكم